فخر الدين الرازي

417

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الكذاب لقب نفسه بالرحمن . والثاني : أن يسموا اللَّه بما لا يجوز تسميته به ، مثل تسمية من سماه - أباً - للمسيح . وقول جمهور النصارى : أب ، وابن ، وروح القدس ، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ الجسم على اللَّه سبحانه ويسمونه به ، ومثل أن المعتزلة قد يقولون في أثناء كلامهم ، لو فعل تعالى كذا وكذا لكان سفيهاً مستحقاً للذم ، وهذه الألفاظ مشعرة بسوء الأدب . قال أصحابنا : وليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه باللفظ في حق اللَّه ، فإنه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع الأجسام ، ثم لا يجوز أن يقال : يا خالق الديدان والقرود والقردان ، بل الواجب تنزيه اللَّه عن مثل هذا الأذكار ، وأن يقال : يا خالق الأرض والسماوات يا مقيل العثرات يا راحم العبرات إلى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة . والثالث : أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه ولا يتصور مسماه ، فإنه ربما كان مسماه أمراً غير لائق بجلال / اللَّه ، فهذه الأقسام الثلاثة هي الإلحاد في الأسماء . فإن قال قائل : هل يلزم من ورود الأول في إطلاق لفظه على اللَّه تعالى أن يطلق عليه سائر الألفاظ المشتقة منه على الإطلاق ؟ قلنا : الحق عندي أن ذلك غير لازم لا في حق اللَّه تعالى ، ولا في حق الملائكة والأنبياء وتقريره : أن لفظ « علم » ورد في حق اللَّه تعالى في آيات منها قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [ النساء : 113 ] وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ الرحمن : 1 ، 2 ] ثم لا يجوز أن يقال في حق اللَّه تعالى يا معلم ، وأيضاً ورد قوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ثم لا يجوز عندي أن يقال يا محب . وأما في حق الأنبياء ، فقد ورد في حق آدم عليه السلام : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] ثم لا يجوز أن يقال إن آدم كان عاصياً غاوياً ، وورد في حق موسى عليه السلام : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [ طه : 26 ] ثم لا يجوز أن يقال إنه عليه السلام كان أجيراً ، والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على الوارد ، فأما التوسع بإطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندي ممنوعة غير جائزة . ثم قال تعالى : سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء اللَّه . قالت المعتزلة : الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد ، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 181 ] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 181 ) اعلم أنه تعالى لما قال : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] فأخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ليبين أيضاً أن كثيراً منهم مخلوقون للجنة . واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] فلما أعاد اللَّه تعالى هذا الكلام هاهنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، روى قتادة وابن جريج عن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم أنها هذه الأمة و روي أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال : « هذه فيهم وقد أعطى اللَّه قوم موسى مثلها » و عن الربيع بن أنس أنه قال : قرأ النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية فقال : « إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم » وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار . قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل ، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، / وهو